مصطفي عبد العاطي__يكتب للبرقية التونسية
ملك فرعونقبل أن يعرض القرآن الكريم السيرة الذاتية لموسى عليه السلام من خلال مواقف وأحداث وشخوص حيوية ، نقف على الأسباب التي كان من أجلها هذا الميلاد وهذه الأحداث بكل ملابستها لعلاقة الميلاد وذات الأحداث بوصفها مسبباتها يقول تعالى : طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ لقد وقفت الآيات على أسباب زوال مملكة فرعون وهي فيما يلي :
1ـ ـ طغيان فرعون وتجبره على الرعية : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ
2ـ تقسيم الرعية إلى شيع حتى تستحوذ عليهم : وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا
3ـ وقوع ويله وثبوره على المستضعفين منهم وكان منهم بيت موسى عليه السلام
4ـ سيادة روح الأنوثة على حساب روح الرجولة مما يمكنه السيطرة عليهم يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ فالسين والتاء في يستحيي تأتي لطلب الحياة ، وهي هنا في مقابل ذبح الذكور ، وثمة مجتمعات فرعونية لا يكون الذبح فيها جسديا بل يكون نفسيا وعقليا ووجوديا ، وهذا يفني المرأة قبل الرجل فالمرأة الطبيعية لا تتمتع بوجود حقيقي إلا بشيوع روح الرجولة في المجتمعات ، فهو الذي يحافظ على وطنها ويحقق لها أمنها وسلامتها .
5ـ فساده في الأرض بإبادة عرقية ونفسية وعقلية .
ونلاحظ أن هذه الأسباب لم يذكر فيها سبحانه وتعالى أسبابا دينية على شناعتها ، فقد قال فرعون بإلوهيته ، مما يؤكد أن الأسباب الإنسانية هي أساس زوال الأمم ، ففي وجودها قد يأتي الإيمان ، وفي ضياعها لا يمكن للإيمان أن يوجد ، فالله تعالى قد يمهل العبد لإنسانيته على عدم إيمانه لترتيب الإيمان عليها .
ولطغيان قلب فرعون وتجبره وإقدامه على ذبح البنين بمدية أمام الناس دون شفقة أو رحمة كان ولا بد أن يُحرم مُنازله وهادم ملكه من أبيه وأمه لا عن يُتْمٍ فاليتم قد يكون ألين قلبا من حالة موسى الذي عاش حياة مجهول النسب ، ولو عُرِفَ نسبه لكان قضاؤه وموته ، وهي حياة يتعرض فيها صاحبها للفتنة من الصغير والكبير لاسيما في بيت فرعون ومع عاقل مثل موسى يبزُّ أترابه فلا يجدون ما يردون عليه غيظهم إلا جهالة نسبه والحادثة يعلمها الجميع فكانت القوة المادية وبطشها جزءا من شخصيته وكان لا يُقارن بها ولقد وصف القرآن الكريم هذه القوة وجبروتها في قوله تعالى : (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ ..(سورة القصص) ووَكَزَه أَي ضربه بجُمْعِ يده على ذَقَنِه .. وهذه ضربة لا يفعلها إلا من تملكت يده من الحدة والصرامة والشدة وهي شِدة تتناسب مع فرعون وغلظة قلبه وطبعه ، ويقال إنه حمل حجر بئر مدين بيده في غربته وكان يحمله أربعون رجلا ، ويُقال إن فرعون عندما سمع طرقة عصاه على بابه أَسْهَلَ على نفسه ، وعندما علم مقابلته لم يُقابله إلا في مجلس من قومه ، وكل هذه القوة المادية لم توجد قهرا بل لها ضرورتها وتمرسه عليها في طفولته لكن روح النبوة جعلها في حيز الدفاع عن نفسه ولحين ضرورتها ، فلم تتملكه شرورها أو التباهي بها فعندما حدثت الفجيعة لأحدهم دون قصد قتله قال : قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (القصص : 21)
ولم تكن القوة المادية وحدها التي تعلَّمها في قصر فرعون ، فقد أدرك من طفولته نفى الإلوهية عنه لرؤيته على غير استعداد لقومه ، فلم يتهيبه إلها والعياذ بالله ، بل كان شخصا عاديا لديه ، وإذا كان فرعون بإلحاح زوجته هي السبب الموضوعي في تربيته ، فإنه لم يتهيبه أيضا أبا ، يقول تعالى : وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (الفصص : 9) والحقيقة أن هذه القوة كان ضروريا أن يتسلح بها موسى فالمعجزة التي قهرت فرعون هي معجزة مادية على الرغم من توفر العقل والفطنة عند موسى عليه السلام ، وإذا كان المطلوب هو إسقاط فرعون نجد موسى عليه السلام يقول : .. إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) لقد كان موسى يريد نجاة بني إسرائيل من جبروته وهذا أمر مشروع ، لكن هذا الجبروت كان سبب خنوع الناس لإلوهيته ، فقد نفى موسى عنه ضمنيا هذه الإلوهية وبرر له أسبابها وذكر إلها يعبده من دونه ، وقد جعله رسوله إليه ، والطبيعي أن يسأل فرعون كعادة كل البشر عن حقيقة هذا الإله وحقيقة كونه رسولا منه دون سواه لكن فرعون حاد عن هذا كله وقال له : قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) وهنا تبدو ضرورة من ضرورات وجوده في قصر فرعون إن فرعون ليس قويا لذاته ولا لضعف خصومه وإنما قوته تكمن في مهارته في استغلال هذا الضعف وطيهم وقد وضع يده على مركز الضعف عند موسى وما يذل أعناق الرجال لكن حياة موسى معه وعلمه بأسلوبه في طي خصومه كان رده إدانة له مما اضطره أن ينزل من وهم الإلوهية : قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) فقد انتفت صفة الإلوهية في نفسه وسرق موسى إحساسه بها وإحساس الحاضرين معهما تماما وتكلم معه كما يتكلم كل بشر متعالٍ وعاد للسؤال الذي كان يجب أن يطرحه عنما أخبره موسى عليه السلام أنه رسول ارب العالمين : قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) والمنطق البشري يقتضى تسليم فرعون لله رب العالمين فالقوة العقلية كان له سلطانها عليه بما لا يملك لها ردا ولا جوابا لكنه نزل إلى منزلة أدنى من البشر وأحط من الأنعام فلا هو يقاد مثلها فيَسلم منه الناس ، ولا هو إنسان فيُسَلِّم للناس ما يُسلمون له ، وهنا يبدو ضرورة المعجزة الحسية للموقف إنها ليست موجودة لذاتها فتكون ضد العقل أو المنطق إنها ترد للعقل الذي احتقره فرعون مكانته وتجعل الناس يتحسرون على عدم التسليم له فالعقل هو سلطان الحقيقة لكن المعجزة الحسية هنا فقط أداته : فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) لقد تحولت عصا موسى إلى ثعبان حقيقي والحقيقة أنها ليست ثعبانا بل هي معادل موضوعي لقوة البطش عند فرعون فما تمرس عليه فرعون في سنين مسحه ربه موسى في موقف واحد بين غمضة عين وانتباهها بحدث خالف فيه عادة الأشياء ، وهنا يرتدع كل جاهل عن جهله وكل ظالم عن ظلمه فليس ثمة متعالٍ بمأمن من قوة مهما كان تسلحه بها ، وعلى قدر هذا الوهن الذي يُصيب المتعالى تكون القوة التي يتخلص بها الضعيف من هوانه فقد كان الانحطاط هي الشفاعة التي أمانهم من فرعون وقومه .
وهنا يبدو مرتقى جديد من مراقي القرآن الكريم إنه لا يصادر على جنس بعينه كرها أو حبا فالفعل عند الله تعالى أساس الحب والكره فليس هناك جنس مختارا دون الخلق لذاته ولا جنس آخر مشردا لذاته ، والشرُّ كما يُوجَد عند هذا يُوجد عند ذاك والخير كما يُوجد عند هذا يوجد عند ذاك ، ورحمة الله تعالى كذلك كما تُدرِك جنسا تُدِرك جنسا آخر وهي ليست مقيدة ولا مطلقة لأحد فعندما تعرض اليهود للإبادة العرقية والنفسية من فرعون لضعفهم وقلة حيلتهم كان قوله تعالى : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وحينما تغيرت صفاتهم من ضعف إلى قسوة نجده يقول : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) والجنس واحد والفعل مختلف وهذا ميزان العدل في الأرض .
1ـ ـ طغيان فرعون وتجبره على الرعية : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ
2ـ تقسيم الرعية إلى شيع حتى تستحوذ عليهم : وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا
3ـ وقوع ويله وثبوره على المستضعفين منهم وكان منهم بيت موسى عليه السلام
4ـ سيادة روح الأنوثة على حساب روح الرجولة مما يمكنه السيطرة عليهم يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ فالسين والتاء في يستحيي تأتي لطلب الحياة ، وهي هنا في مقابل ذبح الذكور ، وثمة مجتمعات فرعونية لا يكون الذبح فيها جسديا بل يكون نفسيا وعقليا ووجوديا ، وهذا يفني المرأة قبل الرجل فالمرأة الطبيعية لا تتمتع بوجود حقيقي إلا بشيوع روح الرجولة في المجتمعات ، فهو الذي يحافظ على وطنها ويحقق لها أمنها وسلامتها .
5ـ فساده في الأرض بإبادة عرقية ونفسية وعقلية .
ونلاحظ أن هذه الأسباب لم يذكر فيها سبحانه وتعالى أسبابا دينية على شناعتها ، فقد قال فرعون بإلوهيته ، مما يؤكد أن الأسباب الإنسانية هي أساس زوال الأمم ، ففي وجودها قد يأتي الإيمان ، وفي ضياعها لا يمكن للإيمان أن يوجد ، فالله تعالى قد يمهل العبد لإنسانيته على عدم إيمانه لترتيب الإيمان عليها .
ولطغيان قلب فرعون وتجبره وإقدامه على ذبح البنين بمدية أمام الناس دون شفقة أو رحمة كان ولا بد أن يُحرم مُنازله وهادم ملكه من أبيه وأمه لا عن يُتْمٍ فاليتم قد يكون ألين قلبا من حالة موسى الذي عاش حياة مجهول النسب ، ولو عُرِفَ نسبه لكان قضاؤه وموته ، وهي حياة يتعرض فيها صاحبها للفتنة من الصغير والكبير لاسيما في بيت فرعون ومع عاقل مثل موسى يبزُّ أترابه فلا يجدون ما يردون عليه غيظهم إلا جهالة نسبه والحادثة يعلمها الجميع فكانت القوة المادية وبطشها جزءا من شخصيته وكان لا يُقارن بها ولقد وصف القرآن الكريم هذه القوة وجبروتها في قوله تعالى : (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ ..(سورة القصص) ووَكَزَه أَي ضربه بجُمْعِ يده على ذَقَنِه .. وهذه ضربة لا يفعلها إلا من تملكت يده من الحدة والصرامة والشدة وهي شِدة تتناسب مع فرعون وغلظة قلبه وطبعه ، ويقال إنه حمل حجر بئر مدين بيده في غربته وكان يحمله أربعون رجلا ، ويُقال إن فرعون عندما سمع طرقة عصاه على بابه أَسْهَلَ على نفسه ، وعندما علم مقابلته لم يُقابله إلا في مجلس من قومه ، وكل هذه القوة المادية لم توجد قهرا بل لها ضرورتها وتمرسه عليها في طفولته لكن روح النبوة جعلها في حيز الدفاع عن نفسه ولحين ضرورتها ، فلم تتملكه شرورها أو التباهي بها فعندما حدثت الفجيعة لأحدهم دون قصد قتله قال : قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (القصص : 21)
ولم تكن القوة المادية وحدها التي تعلَّمها في قصر فرعون ، فقد أدرك من طفولته نفى الإلوهية عنه لرؤيته على غير استعداد لقومه ، فلم يتهيبه إلها والعياذ بالله ، بل كان شخصا عاديا لديه ، وإذا كان فرعون بإلحاح زوجته هي السبب الموضوعي في تربيته ، فإنه لم يتهيبه أيضا أبا ، يقول تعالى : وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (الفصص : 9) والحقيقة أن هذه القوة كان ضروريا أن يتسلح بها موسى فالمعجزة التي قهرت فرعون هي معجزة مادية على الرغم من توفر العقل والفطنة عند موسى عليه السلام ، وإذا كان المطلوب هو إسقاط فرعون نجد موسى عليه السلام يقول : .. إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) لقد كان موسى يريد نجاة بني إسرائيل من جبروته وهذا أمر مشروع ، لكن هذا الجبروت كان سبب خنوع الناس لإلوهيته ، فقد نفى موسى عنه ضمنيا هذه الإلوهية وبرر له أسبابها وذكر إلها يعبده من دونه ، وقد جعله رسوله إليه ، والطبيعي أن يسأل فرعون كعادة كل البشر عن حقيقة هذا الإله وحقيقة كونه رسولا منه دون سواه لكن فرعون حاد عن هذا كله وقال له : قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) وهنا تبدو ضرورة من ضرورات وجوده في قصر فرعون إن فرعون ليس قويا لذاته ولا لضعف خصومه وإنما قوته تكمن في مهارته في استغلال هذا الضعف وطيهم وقد وضع يده على مركز الضعف عند موسى وما يذل أعناق الرجال لكن حياة موسى معه وعلمه بأسلوبه في طي خصومه كان رده إدانة له مما اضطره أن ينزل من وهم الإلوهية : قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) فقد انتفت صفة الإلوهية في نفسه وسرق موسى إحساسه بها وإحساس الحاضرين معهما تماما وتكلم معه كما يتكلم كل بشر متعالٍ وعاد للسؤال الذي كان يجب أن يطرحه عنما أخبره موسى عليه السلام أنه رسول ارب العالمين : قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) والمنطق البشري يقتضى تسليم فرعون لله رب العالمين فالقوة العقلية كان له سلطانها عليه بما لا يملك لها ردا ولا جوابا لكنه نزل إلى منزلة أدنى من البشر وأحط من الأنعام فلا هو يقاد مثلها فيَسلم منه الناس ، ولا هو إنسان فيُسَلِّم للناس ما يُسلمون له ، وهنا يبدو ضرورة المعجزة الحسية للموقف إنها ليست موجودة لذاتها فتكون ضد العقل أو المنطق إنها ترد للعقل الذي احتقره فرعون مكانته وتجعل الناس يتحسرون على عدم التسليم له فالعقل هو سلطان الحقيقة لكن المعجزة الحسية هنا فقط أداته : فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) لقد تحولت عصا موسى إلى ثعبان حقيقي والحقيقة أنها ليست ثعبانا بل هي معادل موضوعي لقوة البطش عند فرعون فما تمرس عليه فرعون في سنين مسحه ربه موسى في موقف واحد بين غمضة عين وانتباهها بحدث خالف فيه عادة الأشياء ، وهنا يرتدع كل جاهل عن جهله وكل ظالم عن ظلمه فليس ثمة متعالٍ بمأمن من قوة مهما كان تسلحه بها ، وعلى قدر هذا الوهن الذي يُصيب المتعالى تكون القوة التي يتخلص بها الضعيف من هوانه فقد كان الانحطاط هي الشفاعة التي أمانهم من فرعون وقومه .
وهنا يبدو مرتقى جديد من مراقي القرآن الكريم إنه لا يصادر على جنس بعينه كرها أو حبا فالفعل عند الله تعالى أساس الحب والكره فليس هناك جنس مختارا دون الخلق لذاته ولا جنس آخر مشردا لذاته ، والشرُّ كما يُوجَد عند هذا يُوجد عند ذاك والخير كما يُوجد عند هذا يوجد عند ذاك ، ورحمة الله تعالى كذلك كما تُدرِك جنسا تُدِرك جنسا آخر وهي ليست مقيدة ولا مطلقة لأحد فعندما تعرض اليهود للإبادة العرقية والنفسية من فرعون لضعفهم وقلة حيلتهم كان قوله تعالى : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وحينما تغيرت صفاتهم من ضعف إلى قسوة نجده يقول : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) والجنس واحد والفعل مختلف وهذا ميزان العدل في الأرض .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق